|
حفل تأبين الفقيد الرفيق أحمد الغفري
أقامت نقابة المهندسين السوريين والحزب
الشيوعي السوري وأسرة الفقيد المرحوم الدكتور المهندس أحمد
الغفري، حفل تأبين في الذكرى الأربعينية لوفاة الرفيق الغفري، في
قاعة المحاضرات بمكتبة الأسد، وذلك عند الساعة السادسة من مساء
الثلاثاء 11/5/2010.
وقد حضر الحفل الرفاق: يوسف الفيصل رئيس الحزب الشيوعي السوري،
وحنين نمر الأمين الأول للحزب، وعدد من الرفاق أعضاء المكتب
السياسي، واللجنة المركزية للحزب، واللجنة المنطقية في دمشق، وعدد
كبير من الرفاق في منظمات الحزب الأخرى.
كما حضر الحفل نقيبة المهندسين السوريين المهندسة هالة الناصر،
وعدد كبير من المهندسين.
كما حضر الحفل أيضاً أسرة الفقيد وعدد من أقربائه وأصدقائه.
وقد افتتح الأستاذ حبيب سلمان الحفل بالوقوف دقيقة صمت إجلالاً
لذكرى الفقيد الراحل، ثم عرض فلم ضوئي استعرض صوراً ومحطات وشهادات
للراحل.
وألقيت في الحفل عدة كلمات قدم لها الأستاذ
حبيب سلمان فقال:
أبا نضال.. أيها الراحل المودع، أيها الفقيد الكبير في نفوس أهلك
وأصدقائك ورفاق نضالك وأحبائك، وما أكثرهم! حضروا هنا في موقف مهيب
مهابة غيابك وخسارتك، وفي الخواطر ذكريات، وفي الدواخل حسرة
وانكسار، وفي العيون ومض وفاء. حضروا هنا ليفوك بعض حقك بكلمات
تنبض لوعة وأسى على غيابك، بكلمات تقصر، وتتواضع أمام جلال مسيرتك
الحافلة بالعلم والعطاء والنضال والمحبة والصدق والتواضع ليقولوا:
طِبْتَ حياً بهذه المسيرة الوطنية والإنسانية الرائعة، وطِبْ ميتاً
نوسع لك في أهداب العيون مقاماً، وفي القلوب والنفوس مستقراً.
أيها الراحل الكبير تقبّل منا انحناءة إجلال لجلال قدرك وتاريخك
الأمثولة في التفاني والعطاء، وإكراماً لروحك الزكية الطاهرة، نقف
بكل المهابة والتعظيم دقيقة صمت.
كلمة جمعية المعماريين السوريين
وألقى المهندس عبد الرحمن بن حمزة النعسان، رئيس مجلس
جمعية المعماريين السوريين، كلمة هذا نصها:
أبدأ بالسلام على روح فقيدنا أحمد الغفري، وعلى أرواح كل من
فقدناهم من أسرتنا النقابية والهندسية.
وبالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن أعضاء جمعية المعماريين السوريين،
أشاطركم الحزن والأسى لفقدان أحد أركان أسرتنا النقابية والهندسية
والمعمارية، ورمز من رموزها ورموز الحركة العمرانية والمعمارية في
سورية، وأحد بناة صرحها المعاصر الذي كان واحداً من حملة مشاعل
الفكر الإنساني المعمار والمخطط الدكتور أحمد الغفري رحمه الله،
الذي رحل بصمت مهيب في الثالث من نيسان عام 2010. مؤلمة تلك
اللحظات التي لا نملك خلالها لأحبة راحلين إلا أن نمنحهم دموع
مآقينا التي تختزل ألماً وشوقاً أبدياً يزيد من أوجاعنا، وموجعة
حفلات التأبين حيث تلتقي القلوب المكلومة للتحدث عن سجايا الراحلين
كنوع من أنواع الوفاء والعجز أمام قضاء الله وقدره.
يا
أيها الفارس الذي ترجل ورحل دون إنذار، هذه شيم الفرسان يرحلون وهم
واقفون، يأخذهم القدر كالشمعة المضيئة التي أطفأتها ريح عاتية..
هذا هو الموت الذي يغيّب الأحباب، وهذه مشيئة الرحمن ولا اعتراض
على مشيئته وحكمه وقضائه (وكل من عليها فان).
كان الظن أن الرجال أصحاب الهمم العالية لا يرحلون هكذا بسهولة،
حتى جاءنا النبأ الفاجعة بأنه غيب أعز الأحباب أحمد الغفري،
فتذكرنا قول الباري عز وجل »إذا جاء أجلُهم لا يستقدمون ساعة ولا
يستأخرون«. صدق الله العظيم.
كان رصيده زاخراً في نشر المعرفة وتمكين الثقافة بين أجيال
المعماريين والمخططين، وسيبقى منارة تحكي عن عظمة إنسان، والذين
عاصروه أستاذاً وباحثاً وكاتباً ونقابياً يدركون قيمته الإنسانية
التي أزهرت أكاليل تناقلتها الأيام نمواً مع من كانوا حوله،
ويتذكرون بفخر مساحاته الثقافية التي أضاءت مشاعل من الإدراك
والعلم، وكان رجلاً بامتياز أتقن عمله.
عرفت الزميل أحمد الغفري منذ سنين طويلة، وكان أهم انطباعاتي عنه
أنه كان يملك قلب إنسان وصاحب رأي وكلمة وموقف.. ومن يستعرض مسيرة
حياته يدرك أنه لم يكن رجلاً عادياً، بل كان استثنائياً ملماً
بثقافة العصر إلماماً عميقاً.. إلماماً لم يجرفه عن أصالته، عربياً
متسامحاً مع ثقافات الآخرين. فقد استهوته فلسفة الفكر الاشتراكي
وتعمق فيه وكان ناقداً، وله وجهة نظر فيه ومن أقواله »أزعم أننا
بأمس الحاجة إلى تشريع يحمي الانتقاد، ويشجعه، ويلغي تصنيفه إلى
انتقاد بناء وانتقاد هدام. كما أننا بحاجة إلى تشريع يضع معايير
تركز على قدرة المسؤول على تحمل الانتقاد والرأي الآخر«. وله في
النقد وجهة نظر، وهي أن لا يكون النقد هدفاً بذاته بل مستنداً إلى
أسس علمية وتحليلية، وأن نضع الحلول المعدلة أو البديلة لتكون
أساساً للحوار.
وكان واحداً من ذلك الرعيل المجيد من علماء الأمة المثقفين العرب
السوريين الذين تساموا على المصالح الشخصية، وعملوا على إرساء صرح
التحديث والتطوير. هذا الجيل لم ينقطع يوماً عن تاريخ أمته ولم
يترفع عليه أو يهمله، لكنه في الوقت ذاته لم ينغلق عن الحداثة
والتجديد، وأدرك أهمية الامتداد التاريخي للحضارات وتواصلها، وعمل
على أن يكون التعامل بينها حواراً لا صداماً أو صراعاً.
وكانت آخر مشاركة علمية لفقيدنا الراحل هي المحاضرة التي ألقاها
قبل أسبوعين من رحيله في المؤتمر العلمي الدولي الذي كان بعنوان
»المدن السورية الكبرى في سيرورة العمران المعولمة.. آفاق مراكز
المدن والمركزيات الجديدة«، الذي أقامه المعهد الفرنسي للشرق
الأدنى بحلب بالتعاون مع مجلس مدينة حلب، وذلك في 15-17 آذار 2010.
وكان قد ساهم في وضع الأنظمة والقوانين المعمارية والعمرانية في
سورية، كما كان له الدور الكبير في وضع النظام الأساسي لجمعية
المعماريين السوريين، وعمل على ترسيخ قواعدها إلى أن شكلت نقابة
المهندسين هذه الجمعية واحتضنتها وتقوم على دعمها وإنجاحها، وساهم
في وضع نظام المسابقات المعمارية إلى أن أصبح نظاماً معتمداً.
إنه رجل وإنسان بكل معنى الكلمة، خدم وطنه بكل إخلاص وتفانٍ وبكل
طيبة ورحابة صدر، كان يعمل بصمت وصبر ويؤدي عمله بكل إتقان، كان
يعمل عملاً متواصلاً من دون ملل.
إنه إنسان لا نستطيع نسيانه أبداً، فلقد أعطى وأجزل العطاء، وأفنى
عمره في عمله وأحبه بكل إخلاص. ولا يسعنا في هذا المصاب الأليم
إلا أن نسأل الله لنا ولأهله الصبر والسلوان، ونطلب من الله أن
يغفر له ويرحمه رحمة واسعة ويسكنه فسيح جناته مع الشهداء
والصديقين، جزاء ما قدم من علم نافع وعمل انتشر بين أجيال من
المعماريين والمخططين، ومن صحبة طيبة لزملائه ومحبيه، جعلت ذكراه
حية في نفوسهم، دون أن تمحوها الأيام.
وفي النهاية أرى أن علماء الأمة وكتابها ومبدعيها يجب أن نقدم لهم
من المحبة والدعم والرعاية ما يستحقون وهم على قيد الحياة، لأنهم
قدموا للوطن عصارة تفكيرهم وجهدهم وصالح أعمالهم، ولأنهم يمثلون
ضمير الأمة، ولا يصح أن تهمل أعمالهم وتراثهم بعد رحيلهم، بل يجب
أن تتحول إلى مشروع يستفاد منه.. إذ إنه من الصعب اختزال الكلام عن
سجايا الراحلين ومآثرهم من خلال كلمة، إذ إن ما تركوه سيبقى شاهداً
لأجيال المستقبل.
تبقى يا أبا نضال نموذجاً رائعاً في ذاكرتنا، حيّاً في قلوبنا، بما
تركته من بصمات لا تمحى.
إنه لله وإنا إليه راجعون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلمة اتحاد المهندسين العرب
وألقى المهندس
حسن ماجد علي، رئيس اتحاد المهندسين العرب، كلمة جاء
فيها:
السادة آل الغفري الكرام!
السادة الزملاء في نقابة المهندسين السوريين والهيئات الهندسية
العربية!
السادة في الحزب الشيوعي السوري!
أيها الحفل الكريم،
باسم مئات الآلاف من المهندسين على امتداد الوطن العربي الكبير،
اسمحوا لي أن أرحب بكم في حفل تأبين واحد من أهم أعمدة العمل
النقابي سواء في سورية أم في الوطن العربي، الدكتور المهندس
المغفور له أحمد الغفري.
أيها السادة! ماذا يمكن القول من منبر كهذا في شخص مثل الفقيد
الراحل، نذكره جيداً أخاً وصديقاً يملأ المكان بهجة وحميمية حتى
لنتمنى لو يطول الزمن فلا تنتهي جلستنا إليه. ونذكره زميلاً
نقابياً ساهم في وضع الأنظمة والقوانين النقابية وتطوير وتقدم
العمل النقابي على مدى عقود طويلة من الزمن. ونذكره إنساناً
متفانياً في خدمة زملائه المهندسين دون تردد ولا مماحكة، ولو كان
ذلك على حساب وقته وصحته.
أيها الراحل الكبير أبو نضال!
سوف لن تنساك جماهير المهندسين السوريين الذين عرفوا فيك المدافع
الشرس عن مصالحهم وهمومهم مثلما لن تنساك الهيئات الهندسية العربية
التي احترمتك قبل أن تحب فيك الإنسان المحب الودود.. وما رسائل
وبرقيات العزاء التي وصلتنا إلا دليل على صدق مشاعر المهندسين
وممثليهم على امتداد الوطن العربي.
عزاؤنا اليوم ونحن نؤبن الراحل الدكتور أحمد أنه حاضر أبداً بيننا
بخصاله التي تخلد له ذكرى حية لا تموت، وحاضر بأهله وناسه الطيبين
الذين ورثوا عنه حسن الشيم وأصالة القيم، وبعائلته التي تملك من
الصبر والحكمة ما يجعلها قادرة على تحمل هذا المصاب الجلل.
إلى جنان الخلد أيها الصديق والزميل النقابي والأخ الطيب، ولتهنأ
بالاً، فقد تركت وراءك من هو جدير بحمل قيمك ومناقبك والسير بها
إلى حيث رغبت دوماً.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
كلمة أصدقاء الفقيد
وألقى الأديب والإعلامي المبدع الأستاذ
نصر الدين البحرة
كلمة أصدقاء الفقيد، جاء فيها:
لا شك في أن بعضنا عرف أحمد الغفري عن قرب، كما
عرفه آخرون عن بعد، وربما كان هناك من لم يعرفوه على الإطلاق، بل..
لم يسمعوا حتى باسمه، لكن هذا الرجل، هو بلا جدل أحد الجنود
المجهولين الذين يبنون قواعد الوطن الحقيقية، ويؤسسون لمجده وعزته
وكرامته ويرفعون صروح الشرف والإباء، وعندما يغيب واحد من هؤلاء
الجنود المجهولين ـ وإن تكن شمسه ما تزال كامنة خلف الأفق ترفض
الغروب ـ فإن الجبل ينتحب، ويبكي النهر والبحر والسواقي، وتدمع
عيون الشجر والبساتين والطيور، في سهول الوطن وهضابه.
وفي نفسي وذهني وذكرياتي المصاحبة للروح، فإن خسارة
أحمد، بعْدَ ومعَ خسارة الوطن، هي اثنتان، فلقد خسرتُ صديق العمر
ورفيق الدرب، وخسرت الإنسان المثال، الإنسان النموذج الذي يعزّ
أمثاله كثيراً. وإنما يضاعف شعوري بالفقد، وكذلك شعور الكثيرين من
الأوفياء له وللديار، هذا الزمنُ الصعب الذي نعيشه.
عرفت أحمد الغفري سنة 1945 طالباً في مدرسة أبي
العلاء المعري، بحي القيمرية، بعد أن عاد مع أسرته، بمعيّة والده،
من حماة إلى أرض الجدود.
والتقينا من جديد في مطلع خمسينيات القرن العشرين
في معهد دار المعلمين. وبعد التخرج، عملنا معلمين في مدرستين
قريبتين في الجسر الأبيض بدمشق، وكنا ـ وثمة دوام ثان بعد الظهر ـ
نلتقي معاً.. عند الغداء.
والواقع فإن ما نمّى الصداقة والمودة بيننا، تقارب
الرأي في الفكر والسياسة، والاشتراك في هواية واحدة، هي عشق الأدب
وممارسة الكتابة ولاسيما القصة القصيرة، وربما كان هذا ما شجعني
على دعوته للانتساب إلى الحزب، إذ كان معنا شقيقه الراحل مصباح في
فرعية القيمرية والجورة والأمين. اعتذر أحمد بلباقته ولطفه. فقلت
دعه، فليس ضرورياً أن يكون أصحابنا وأصدقاؤنا جميعاً أعضاء في
الحزب، ولكن، عندما دعوته إلى الإسهام في إنشاء رابطة للكتاب
الشباب عام 1957، فإنه سرعان ما أقبل واشتعل حماسة، وكانت هذه
الرابطة تعكس روح التوهج اليساري في خمسينيات القرن الماضي، حتى
إنها كانت على يسار رابطة الكتاب العرب اليسارية.
وقدم لنا الصحفي الكبير الراحل سعيد الجزائري
صحيفته الأدبية الأسبوعية: النقاد، فاتحاً صدور صفحاتها لنتاجنا
الأدبي، وهناك كان أحمد الغفري، يكتب باسم مستعار هو (عابر سبيل)
ناقداً المواد المنشورة في عدد المجلة السالف، منطلقاً من رأي
رابطة الكتاب الشباب الفكري والسياسي.
وكرّت الأيام سراعاً، فإذا نحن في وحدة عبد الناصر،
وإذا أحمد يسبقني في خدمة العلم، ويتخرج مرشحاً، فكنا نلتقي
باستمرار بعد أن أمسى في دمشق، فينقل لي هواجسه ومخاوفه مما تحبل
به الأيام، ومن أن يكون الوليد مشؤوماً، بل إنه توقع حملة المباحث
الكارثية على الحزب قبل أن تقع بأسابيع، حتى إنه كلفني أن أنقل ذلك
إلى الحزب، وإلى الرفيق خالد بكداش شخصياً.
ومثلما تكهّن أحمد الغفري تماماً، فقد عدنا إلى
اللقاء عسكريين في سجن المزة العسكري شتاء عام 1959. غير أني بقيت
حتى خريف ذلك العام، وأخلي سبيل أحمد بعد خمسة وأربعين يوماً، وسرح
من الجيش، لكنه عاد إلى مطرحه المختار في مقهى الهافانا. وقد أمضه
وآلمه، أنه كلما تلفّت حوله، رأى أن معظم أصدقائه هناك في ذلك
السجن الرهيب الذي اصطفل فيه زبانية السراج وعبد الناصر، بكرام
القوم من أعضاء الحزب وأصدقائه وبكل من ينزل عن الرصيف، برجله
اليسرى.
وبطريقتي الخاصة، وأنا في السجن، استطعت أن أعرف أن
أحمد رجع ثانية إلى السجن، وعلمت أنه قال في المقهى، ما كان
ممنوعاً في ذلك الزمان الكحلي.
وعرفت وأنا هناك أن هذا الرجل لبّى الدعوة التي سبق
أن وجهتها إليه قبل سنوات، وانتسب إلى الحزب في السجن.
بالطبع فإن سيرة أحمد الغفري لم تختتم بعد السنوات
الثلاث التي أمضاها وراء القضبان، ولكنه برهن بعد ذلك، من خلال
طموحه الذي لا حدود له، أنه بدّل العلم بالأدب، غير أنه تابع طريق
الشرف والصدق والإخلاص لوطنه وحزبه، وواصل السير في الطريق الشائك
حتى آخر نسمة في حياته، حيث تزاوج الأبيض والأسود، في وحدة أضداد
مدهشة، وحيث استطاع أن يحتفظ بالبسمة النقية، في أصعب الأوقات.
كلمة النقباء السابقين
وألقى المهندس غسان طيارة كلمة النقباء السابقين، جاء فيها:
ثلاثة عقود كنا معاً نناضل لنبني نقابة المهندسين.. بدأ حياته
عندما كان هناك هزة وشرخ شاقولي يهدد الأسرة النقابية، أول عمل قام
به عندما أقر المؤتمر العام للنقابة تكليفه لرئاسة لجنة لوضع
النظام الداخلي ومازلنا نعمل بهذا النظام.
عرفناه قانونياً متميزاً وأديباً عريقاً، ولهذا كان له مهمتان
مستمرتان، الصياغة والتصحيح اللغوي.. عرفناه أمين سر مجلة »المهندس
العربي«، التي نقول إنها فقدت عميداً من أعمدتها.. نعم إن مجلة
»المهندس العربي« كان يدققها لغوياً ويكتب بها مقالاته ويخرجها..
عرفناه باحثاً مدرساً كاتباً مؤلفاً محاضراً.. نعم شارك في جميع
المؤتمرات الهندسية في هندسة العمارة والبيئة.. نعم شارك في
محاضرات مختلفة على مستوى الوطن العربي.. نعم شارك في مؤتمرات
الاتحاد الدولي للمعماريين.، نعم كان له يد بيضاء في بعض الأنظمة،
وخاصة نظام جمعية المهندسين المعماريين السوريين وهيئة المعماريين
العرب، وهو مثّل الجمهورية العربية السورية منذ إنشائها.. نعم
عرفناه مؤلفاً له كتابات كثيرة وكثيرة جداً، كان يكتبها ويؤلفها
ويطبعها وينشرها على حسابه الخاص ويبيعها بأرخص الأثمان.. هل
تعرفون أن كتابه عن الهندسة والبيئة ثمنه 25 ل.س فقط؟ وكتاباً آخر
أيضاً عن الهندسة والبيئة ثمنه 150 ل.س؟ نعم كان هدفه نشر المعرفة
وليس الربح من ورائها.. نعم كان يهتم بنشر المعرفة.
لا
يمكن في دقائق محدودة أن أتحدث عن أحمد الغفري المرحوم بهذه
البساطة.. عندما نظرت معكم الصور وجدت كم كنا نضرين وشباباً، والآن
أنظر إلى نفسي وقد أصبحت عجوزاً أمام ما كنا فيه عندما بدأنا عملنا
النقابي معاً.. بالفعل كان يمكن للنقابة دائماً وأبداً أن تثق به،
أن تثق بعمله، أن تكلفه فلا يملّ ولا يتعب وإنما يتابع ويتابع.
بدأ
عمله معلماً وبقي معلماً حتى في النقابة وفي الجامعة وفي ما كتبه
وما ألّفه. أهم عمل قام به، وقد أصبح مع الأسف مجهولاً، عملان:
العمل الأول: عندما كان في لجنة برلمانية حكومية نقابية، وضعنا في
قانون العمران الذي جمع كل القوانين التي صدرت والخاصة بالأرض،
بنائها، وتصنيفها، وتوزيعها، الشرفيات، الاستملاك، في قانون واحد،
إنه قانون العمران. أقره مجلس الشعب، وضاع في أدراج الحكومة، وكم
أتمنى أن تعود نقابة المهندسين وتستنهض هذا القانون، لأنه بالفعل
مهم، وقد يحتاج إلى بعض التعديلات نظراً للظروف التي تغيرت.
وهناك عمل آخر أيضاً مجهول.. نعم نقل إلى اللغة العربية دور
المسؤول في المؤسسة الاشتراكية من البلغارية إلى اللغة العربية،
نعم نقله بأمانة وصدق، وما أحوجنا اليوم إلى أن نعود ونقرأ هذا
الكتاب لمؤسساتنا الاشتراكية! وهو الكتاب الوحيد التي حققت النقابة
من ورائه الربح، لا لأن سعره مرتفع، ولكن لكثرة الطلبات عليه.. نعم
طبعناه عدة مرات.. »دور المسؤول في المؤسسة الاشتراكية«، هذا
الكتاب منهج علمي يحتاجه كل من يعمل في القطاع العام.. أتمنى أن
نعود إليه لأهميته.
طبعاً تاريخ حافل، وذكريات كبيرة، عاش بقوة، دخل الحياة من أبواب
مختلفة، أبواب العلم، المعرفة، الصداقة، الأخوة، الزمالة، العمل
النقابي، العمل السياسي، النقد البنّاء... إلخ. وخرج بصمت وهدوء
دون أن يقهره الموت، ودون أن يؤثر عليه الموت، وكأننا أمام استراحة
مناضل.
هو
بيننا بما تركه لنا، ولهذا أعزي نفسي وأعزيكم بأن ترفعوا رأسكم
عالياً رغم الحزن والألم، لأنكم أمام إنسان له تاريخ، له ماض، له
خطر سياسي، لكننا نؤيده ونؤمن به. وأقول لأسرته إن رب الأسرة ترك
لكم إرثاً كبيراً، وأنتم عليكم أن تسيروا بهذا الإرث، فهو مثل أعلى
لكم وأعلى لأصدقائه ولزملائه.
رحمه الله... عزاكم الله... جزاكم الله الخير.. إليكم كلكم،
وتذكروا أنكم أمام رجل بقيت آثاره وستبقى... وشكراً لإصغائكم.
كلمة المهندسين السوريين
وألقت المهندسة هالة الناصر، نقيبة المهندسين السوريين،
كلمة جاء فيها:
أيها الحفل الكريم!
لم
يخطر على بالي يوماً أن أقف هذا الموقف المهيب متحدثة عن مناقب
فقيدنا الدكتور المهندس أحمد الغفري رحمه الله.
عرفت الأخ والزميل والنقابي الفقيد منذ اهتمامي بالعمل النقابي،
وعرفت المهندسون السوريون نقابياً أصيلاً، وكاتباً موهوباً،
وإنساناً بكل ما للكلمة من معنى.
فقد كانت الزوايا التي كان يكتبها في مجلة »المهندس العربي« التي
قدّر له رئاسة تحريرها، تأخذ حيزاً هاماً لدى جميع المهندسين
السوريين، كما كانت زاويته »خارج السرب« في جريدة »النور« أول ما
يُقرأ.
أيها الحفل الكريم!
منذ الأسبوع الأول لمجلس النقابة الجديد، كان لدينا مشروع لتوثيق
نقابة المهندسين منذ عام 1950 عام التأسيس حتى اليوم، ومن غير
الراحل الكبير مؤهل لمهمة كهذه المهمة؟
بحثنا معه الأمر إضافة إلى رئاسة تحرير المجلة، وجاءت موافقته على
رغبة المجلس بسعادة قرأناها على وجهه الذي فقدنا ابتسامته الساخرة
بل الساحرة. لكن القدر لم يمهل راحلنا الكبير ويمهلنا معه لتحقيق
ما خططنا له، إذ كان رحيله المفاجئ صبيحة ذلك اليوم الحزين لأسرته
الصغيرة التي كان يحدثنا عنها، وخاصة حفيديه ابنَيْ باسل.
ذلك اليوم الذي شعر فيه كل مهندس سوري بخسارة المدافع باقتدار عن
قضاياه، لا بل كل مهندس عربي منضو تحت راية اتحاد المهندسين العرب
الذي عرف بالراحل عضواً نشيطاً فيه وبهيئة المعماريين العرب.
رحمك الله أيها الأخ العزيز والنقابي الأصيل، وألهم ذويك الصبر
والسلوان، وعوّض للهيئة الهندسية السورية خسارتها الكبيرة فيك،
وعظّم الله أجركم أيها الحضور الكريم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلمة الحزب الشيوعي السوري
وألقى الرفيق نبيه جلاحج، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي
السوري وعضو قيادة نقابة المحامين، كلمة الحزب، جاء فيها:
قبل أكثر من خمسين عاماً قرأت عبارة كتبها أحد الأدباء يقول فيها:
(إن الحياة هي أثمن ما يملك الإنسان. وهي لا تمنح له كي يعيشها
سوى مرة واحدة. لذا عليه أن يعيشها بحيث لا يحس أسفاً مضنياً على
السنوات التي ضاعت دونما هدف. فإذا ما عاش هكذا يستطيع أن يقول وهو
يموت: إن حياتي كلها وقواي كلها قد أعطيت لأنبل قضية في العالم وهي
قضية تحرير الجنس البشري).
وكان يقصد تحرير البشرية من الفقر والجوع والجهل والتخلف والاضطهاد
ومن كل أشكال استغلال الإنسان للإنسان.
رفيقنا الراحل أحمد الغفري جسّد بحياته كلها الإخلاص والتفاني في
سبيل هذه القضية على نحو فريد. فهو لم يدخر يوماً واحداً من عمره،
وفي جميع المجالات التي عمل فيها دون أن يمنحه لتلك المُثل
والمبادئ التي آمن بها، مُثل التقدم والعدالة الاجتماعية.
أبا نضال: نحن نعلم أنك كرهت دائماُ المديح الكاذب والتزلف. إلا
أننا نستميحك عذراً إذا رغبنا أن (نتزلف) إليك اليوم لا تملقاُ ـ
وأنت لست ولم تكن يوماُ بحاجة لذلك ـ ولكن محاولين الولوج إلى بعض
الزوايا من عالمك الثري والشاسع، عسى نتمكن من أن نقبس منها حزمة
نور نسكبها على دروب المستقبل لأجيال واعدة، تشفع لنا معرفتنا
بإيمانك الذي لم تتخل عنه يوما بحرية التعبير عن الرأي الأخر،
مخففين من حرجنا أمامك بالتحدث عنك بضمير الغائب، وأنت الحاضر
الباقي في القلب والعقل منا.
منذ يفاعته تفتحت مواهبه الأدبية في جريدة الحائط في ثانوية أمية
ومن ثم في جريدة (النقاد) التي كان يرأسها المرحوم سعيد الجزائري،
وساهم في تأسيس أكثر من منظمة أدبية كـ(رابطة الفكر والقلم),
ورابطة (الكتاب الشباب).
في العشرينيات من عمره لم يستطع جلاوزة سجن المزة أن يضعفوا من
أفكاره أو يوهنوا من صلابته، بل سقت سياطهم فولاذ عزيمته فتقدم في
السجن بطلب انتساب إلى الحزب الشيوعي الذي لم يكن عضواً فيه حينما
اعتقل.
وخلال ثلاث سنوات أمضاها في السجن كان أبو نضال معتقلاً من نموذج
أفكاره نفسها. فهو العامل الأول في معركة تأميم المواد الغذائية
التي كانت ترد من الأهالي، في الأيام المخصصة للزيارة، من أجل
توزيعها بعدالة بين المعتقلين وهو المنظم الأقدر للاحتفالات التي
تعقد في المناسبات الوطنية والأممية داخل السجن كعيد الجلاء وثورة
أكتوبر, وهو المثال المقتدى في النظافة وتقديم مختلف أنواع
المساعدة والخدمات لزملائه في المهجع.
وإذ أرسله الحزب ـ بعد إطلاق سراحه ـ للدراسة في بلغاريا انكب على
التحصيل العلمي في ميدان الهندسة المعمارية، وتابعها لاحقاً كموفد
من محافظة مدينة دمشق ليحصل على شهادة الدكتوراه في ذات الميدان،
ليغدو بعد ذلك باحثاً فذاً وعالماً علماً في مجال التخطيط العمراني
للمدن الذي يقول عنه هو نفسه إنه (علم وفن وتقنية وسياسة).
منذ المؤتمر الخامس انتخب عضواً في اللجنة المركزية للحزب، واستمر
فيها حتى لحظة رحيله. وكان العضو ذا اللون الآخر. آراؤه وكلماته
حملت دائماً نكهة مميزة.آمن بالماركسية كمنهج للعمل، ورفض بشكل
قاطع تقديس النصوص. وكان له فهم خاص لمبدأ المركزية الديمقراطية.
وجوهر هذا الفهم هو رفض أي شكل أو مظهر من مظاهر عبادة الفرد،
والدفاع عن حرية التعبير عن الرأي.
يقول أحمد الغفري في كراسته (حول المركزية الديمقراطية): (إننا
نطالب بحقوق الإنسان في مختلف المجالات، ومن بينها حقه في التعبير
عن رأيه، وفي تمكينه من إيصال هذا الرأي إلى الآخرين،وأتساءل أليست
حقوق الأعضاء في أحزاب فكر العدالة الاجتماعية هي جزء أساسي من
حقوق الإنسان).
وكان حدثاً غير مسبوق في تاريخ الحزب حينما رشح نفسه ـ عقب أحد
المؤتمرات ـ لمنصب الأمين العام للحزب ليس طموحاً لإشغال المنصب،
وإنما تأكيداً لمعارضته ترشيح شخص وحيد للمنصب الواحد. وفي كل
الأحوال كان الغفري الملتزم بنهج الحزب وقراراته وتنظيمه.
لم تكن العناوين التي اختارها للزوايا التي استمر يدبجها طوال نحو
عشرين عاماً مصادفة محضة: زاوية (لا هوادة) في صحيفة الحزب (نضال
الشعب) التي ترأس تحريرها وزاوية (خارج السرب) التي حلق فيها
عالياً بعد صدور صحيفة الحزب العلنية (النور) . كانت منبراً ذا صوت
صارخ ضد جميع أنواع الزيف والكذب، موقعاً محارباً لا مساومة معه
للفساد بجميع أنواعه وللانتهازيين حيثما كانوا. سخريته جادة ولاذعة
من المتربعين على مناصب غير جديرين بها، فاضحاً الوصوليين من ماسحي
الجوخ و(لاعقي الأحذية).
في الدور التشريعي 1990ـ1994، مثل الحزب خير تمثيل عضواً في مجلس
الشعب فحظي باحترام ومحبة زملائه وناخبيه، إذ عبر أبداً في
مداخلاته عن مصالح الكادحين والناس الطيبين. وكان له السبق في أن
يدعو ناخبيه ليقدم لهم كشف حساب بما قدمه لهم خلال فترة توليه مهمة
تمثيله لهم.
مثل الحزب عضواً في مجلس نقابة المهندسين في الجمهورية العربية
السورية، فمنحه المهندسون ثقتهم خلال خمس دورات نقابية متتالية لما
تمتع به من كفاءة مهنية وخبرة نقابية، وما كان يقدمه من آراء طموحة
لتطوير عمل النقابة، وما يبذله من جهد لتقديم الخدمات المتنوعة
لجماهير المهندسين، فضلاً عن النزاهة ونظافة اليد.
في السنوات الماضية عملنا معاً في مكتب المنظمات المهنية التابع
للجنة المركزية للحزب.وقد استمر حلم أحمد الغفري في أن يرى هذه
النقابات وقد أضحت منظمات جذابة للمنضوين تحت لوائها، متقدمة من
جميع الجوانب العلمية والمهنية والديمقراطية.
وبعد. إن أهم ما كان يميز أحمد الغفري هو أحمد الغفري
الإنسان.الإنسان الطيب القلب.العذب النقي كماء المطر، الصديق المحب
والمخلص.الدمث والودود والكريم. الهادئ والواسع الصدر. الصريح
والجريء في إبداء رأيه أينما عمل أو تحدث. المترفع عن الحقد
والمهاترات تجاه
المختلفين معه في الرأي. ذو الحضور المرح والقفشات اللذيذة
والمعبرة في السهرات مع الأصدقاء، رب الأسرة المتفاني والعطوف
والمتفهم.
أيها الحفل المهيب!
نحن أعجز من أن نفي أحمد الغفري في اجتماعنا اليوم ما يستحقه من
التكريم. ذلك أن التكريم الذي يستحقه المناضلون الراحلون أمثاله هو
أن نتابع بإصرار أقوى وعزيمة أشد المسيرة التي مشوا عليها من أجل
حرية الوطن ومصالح الشعب في الرفاهية والتقدم والديمقراطية
والعدالة
الاجتماعية والاشتراكية.
أحمد الغفري: الجرح بفقدك غائر في القلب ولا اندمال له.
نحن حزبك..رفاقك..زملاؤك في العمل والنقابة.. أسرتك..أبناؤك..
أصدقاؤك.. كل من عرفك وعايشك وأحبك.. جميعنا..سنبقى ما حيينا
أوفياء للمثل التي آمنت بها ومنحت عمرك كله من أجلها: هذا قسم.
كلمة آل الفقيد
وألقت
الدكتورة سعاد الغفري كلمة آل الفقيد التي جاء فيها:
مساء الخير.. وتحية احترام ومحبة لجميع من جاء لتأبين أخي الغالي،
رفيق الطفولة في حي القيمرية، رفيق الدراسة في صوفيا.
أحببنا عملنا، وتفانينا في خدمة الناس، أنت في مجال عملك، وأنا في
مجال عملي.
كيف لي أن أتحدث عن ما يقرب من سبعين عاماً.. كنا فيها صديقين
تارة، ورفيقَيْ نضال مرة، وأخوَيْن شقيقين تارة أخرى.
كان أحمد يحثني على القراءة، ويشتري الكتب التي تناسب عمري، فتعلمت
منه عادة مرافقة الكتاب، والجدّية في معالجة الأمور، والهدوء
والحلم والتحمّل، رغم أنني لا أملك عُشر ما عنده منها.. فيعالج
الأمور بكل ثقة وأمانة، سواء في البيت أم في العمل.
عتبي عليك أيها الغالي: لم تترك لنا فرصة لوداعك، كما كنت تفعل
دائماً. تسافر وتعود بصمت وهدوء.. ولكن هذه المرة كلنا علمنا
بسفرك، وكل الناس كذلك عرفوا برحيلك. كان الموت أقوى من حبك
للحياة، فيا للألم المقطّر الذي سكن قلوبنا جميعاً.
دخلتُ عرفتك ونظرت بخجل إلى الكتب المرصوصة في مكتبتك، والأوراق
التي سطّرت عليها بنات أفكارك. شعرتُ بأنها تسألني عنك، فكانت غصة
في قلبي، وانهمرت دموع كثيرة من عينيّ، ولم أردّ جواباً، عن مثل
هؤلاء اليتامى يُكتم الخبر يا أخي.
أخي أحمد!
في
هذه اللحظات لا أستطيع سوى القول بأننا أحببناك وأحببتنا، وتعلّمنا
منك الكثير، وسنسير على ما تلقيناه منك.. فنم مرتاح البال. كنت
كبيراً في حياتك، والآن أنت أكبر عندما فقدناك.
ألف شكر لنقابة المهندسين السوريين التي أرادت أن تعكس حب
المهندسين لك، واحترامهم لخدماتك لهم في نقابتهم، واعترافهم
بجميلك.
ألف شكر لقيادة الحزب الشيوعي السوري الذي أراد لك الخلود في هذا
الاحتفال، مثلما أردت له العزة والقوة والوحدة.
ألف شكر لكل من شارك في الذكرى الأربعينية لرحيلك يا أخي الغالي. |